يرى كاتب الإيكونوميست أن الحملة الدبلوماسية التي يقودها أحمد الشرع منذ توليه رئاسة المرحلة الانتقالية في سوريا بدت لافتة على الساحة الدولية. حظي الشرع بتصفيق في الأمم المتحدة، واستُقبل بحفاوة في عواصم غربية، ووصل في مايو الماضي إلى باريس بدعوة رسمية من الرئيس الفرنسي. لكن هذا الانفتاح الخارجي لم ينجح في إقناع جار قريب وأساسي هو العراق.
توضح الإيكونوميست أن العلاقة بين العراق وسوريا كان يفترض أن تكون طبيعية بحكم الجغرافيا والتاريخ المشترك على ضفتي الفرات، غير أن الواقع ظل مختلفًا لعقود. عمّق حزب البعث الانقسام بدل أن يجسره، ومع سبعينيات القرن الماضي ترسخت القطيعة بين نظامين بعثيين متنافسين في دمشق وبغداد. نظر حافظ الأسد إلى صدام حسين باعتباره خصمًا وعدوًا، بينما اتهم صدام سوريا بالخيانة. وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، أطلق بشار الأسد مئات الجهاديين من السجون السورية وأرسلهم إلى العراق في محاولة لاستنزاف الولايات المتحدة هناك.
ماضٍ جهادي لا يُنسى
يصعب على العراقيين تجاهل هذا التاريخ، لا سيما مع صعود أحمد الشرع نفسه. فقد شارك الشرع في القتال ضد القوات الأمريكية في العراق، وقضى خمس سنوات في السجون العراقية. وفي عراق ذي غالبية شيعية، حيث يتمتع النفوذ الإيراني بثقل كبير، لا يغفر كثيرون بسهولة انخراطه السابق في العمل الجهادي، ويرون فيه امتدادًا لمرحلة عنف لا تزال جراحها مفتوحة.
الملشيات والطائفية بعد داعش
أدى صعود تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014 إلى توسع نفوذ المليشيات المدعومة من إيران داخل العراق. وبعد أكثر من عقد، ما زالت هذه الجماعات المسلحة متغلغلة في بنية الدولة، وتحمل عداءً راسخًا لأي قوى سنية مسلحة، بما فيها الفصائل التي أسهمت في إسقاط نظام الأسد في ديسمبر 2024. وفي المقابل، يتذكر السوريون أن هذه المليشيات قاتلت إلى جانب النظام السابق، ما يعمق انعدام الثقة المتبادل.
حاول رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني خلال السنوات الأخيرة دفع البلاد نحو الاستقرار عبر مشاريع بنية تحتية وخطط تنموية، مع تشجيع المليشيات على التحول إلى النشاط الاقتصادي بدل القتال. غير أن صعود الشرع أعاد خلط الأوراق؛ فبعض هذه الجماعات يرى فرصة لإعادة تقديم نفسه حاميًا للعراق من “الخطر السني”، فيما يخشى آخرون أن يلهم نجاح الشرع السنّة العراقيين، الذين يشكلون نحو 40% من السكان.
توترات أمنية وحدود مغلقة
زادت التطورات الميدانية الأخيرة من حدة التوتر. استعادت القوات السورية مساحات كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وفي الوقت نفسه بدأ مسؤولون أمريكيون نقل آلاف من أخطر معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية من السجون السورية إلى العراق. أثار هذا القرار غضبًا واسعًا داخل العراق، رغم تأكيد الحكومة أنه إجراء مؤقت وأقل خطورة من احتمال فرارهم.
أثار صعود الشرع قلقًا عميقًا في بغداد، خاصة بعد تحذيرات استخباراتية عراقية من وجود آلاف المقاتلين التابعين لتنظيم الدولة داخل سوريا. ويظل السوداني من بين القلة من القادة العرب الذين لم يبادروا إلى تطبيع العلاقات مع دمشق الجديدة. وعلى الأرض، تجسد هذا القلق في تشديد الإجراءات الحدودية وبناء جدار خرساني طويل على امتداد الحدود المشتركة.
جراح لم تلتئم
ما زالت مدن عراقية مثل الموصل والفلوجة تحمل آثار الدمار الذي خلفته الجماعات الجهادية. لذلك، ينظر كثيرون في بغداد بمرارة إلى مشاهد استقبال الشرع في العواصم الغربية. ويحذر دبلوماسي عراقي من أن الثقة مفقودة، مؤكدًا أن القيادة السورية الجديدة "غير مرحب بها" في العراق.
وتخلص الإيكونوميست إلى أن التناقض بين الانفتاح الدولي على دمشق والرفض العراقي يعكس فجوة عميقة صنعتها عقود من الصراع والطائفية والعنف. وبينما يسعى الشرع إلى إعادة تقديم نفسه زعيمًا شرعيًا في الإقليم، يظل الماضي عائقًا ثقيلًا يمنع تطبيعًا حقيقيًا مع جار لم ينسَ بعد ثمن تلك المرحلة.
https://www.economist.com/middle-east-and-africa/2026/02/12/why-syria-and-iraq-cannot-reconcile

